الأربعاء، يونيو 04، 2008

رغــيـــف فـَرنســاوي



- متغيبيش علينا :)

هكذا ودعتني موظفة الريسبشن بالفندق الأنيق الذي اعتدت النزول فيه كلما ذهبت لعملي في محافظة سوهاج التي تقع ضمن منطقة اشرافي.

كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة مساءا بقليل ، ورطوبة المساء تحوطني ببطء ، مخلفة وراءها نهار حار متخم بالعمل ، بذلت فيها جهدا جعلني أتناسى _ لضيق الوقت _ أنني لم اتناول طعاما تقريبا منذ الصباح مما سمح لمراكز الشبع ان تعلن شيئا من الاحتجاج على إهمالي لها !

نظره سريعة لساعتي حسمت الأمر
سألحق بقطار التاسعة واتناول طعامي في البيت !

وفي المحطة كان الزحام رهيبا مما يعني أنني لن اجد مكانا خاليا لثلاث ساعات على الأقل في القطار حتى أصل إلى المنيا
وبعد جهد وجدت تذكرة درجة أولى في قطار العاشرة ، هذا مبشر برحلة مريحة على الأقل
فليكن الإنتظار ثمنا لهذه الراحة

نظرة أخرى إلى الساعة تخبرني أن امامي ساعة على الأقل مما يجعل من فكرة تناول شيئا من الطعام أمرا منطقيا .

وفي سوهاج ، عادة ما اتناول غذائي في الفندق حيث ان تلك المحافظة تكاد تكون خالية من المطاعم الجيدة .
ولكن مطعما ( للتيك اواي ) لمحته اليوم وانا في طريقي الى المحطة.

أوصلني التاكسي اليه بسهولة ، وبعد نظرة سريعة على أنواع الأطعمة المعروضة باللوحة قلت للكاشير :
-
واحد شاورما

فسألني بلطف روتيني :
- رغيف عادي واللا فرنساوي ؟

- لأ فرنساوي
( ومن المعروف طبعا ان الرغيف الفرنساوي هو ذلك النوع المسمن الطويل العريض من الفينو الذي يستطيع ان يشبعني أنا شخصيا بشكل اكثر من جيد )

راقبت إعداد الأوردر الصغير بدون اهتمام وانا أتابع ساعتي ، حتى لمحت ذلك الشيء الذي لا يزيد طوله عن 15 سم ولا يزيد عرضه عن 2 سم بأي حال ، وهو بين يدي رجل الشاورما الذي يفتحه فلا ينفتح ( هيتفتح ازاي هو باين أصلا..... طبعا انا متخيلتش لحظة إن ده الفرنساوي بتاعي ) !!!
حتى صدمني ببساطة :
-اتفضلي .

مددت إليه يدا مستنكرة تسأله :
- هو ده الفرنساوي ؟

أجابني بهزة مؤكده من رأسه بدت لي سابقة لسؤالي وكأنه كان متاكدا من طرحه !!
ولا أدري لماذا أحرجني ان أعترض !!

أوقفت أول تاكسي وأنا أشعر بضيق شديد
لم يكن ضيقي بسبب الجوع تحديدا

ولكن فكرت في مدى تدهور كل شيء بعد ذلك الارتفاع الجنوني في الأسعار ووجدتني أتذكر أن ما دفعته في الفندق وفي الموصلات لثلاث أيام خلت في القطار طبعا ، مما كان يكفي لستة أيام قبل شهرين فقط وفي نفس الأماكن المعتادة بالنسبة لي
أشعرأنا بهذا الفرق.....
( أنا آنسة ولا أعول !!! )
ماذا لو اعترضت ؟ أيحصل هذا الرجل المنهك أمام قالب الشاورما على ما أحصل عليه من عملي ؟
أيقدر هو على ثمن ما اعطاني ؟
أيسد جوعه أضعافه من الخبز الأسمر إن وجده !
وهذا وهذا وهذه وتلك........ من العابرين بوجوه منهكة !!
من الحاصلين على الـ 30 % وليتها ما كانت !!
لماذا يشبه هذا الفرنساوي ( العيان ) كل ذلك بشكل أو بآخر!!
ينسحب جوعي إلى شبع من لا يريد الجوع !!
إلى شيء يعترض لأعافه !

تحرك التاكسي بي وفي مرآته عينان منكسرتان تستفيقاني بصوت السائق :
-على فين حضرتك ؟

- المحطة

زفر الرجل بضيق غير مسبب ، بدا لي وكانه جزء من طريقة قيادته .
رجل مصري مرهق !!
لا جديد
وجه من العقد الخامس ، مشعث بذقن نابتة وملابس رثة بشكل واضح ، يتصبب العرق غزيرا من جبينه الذي أحرقته الشمس
لا جديد
وعينان
في المرآة آيات للشقاء
لا جديد

سألني فجأة كأنه أحس بمراقبتي له التي كانت في الحقيقة تتحرك بينه وبين رغيف الفرنساوي لسبب أجهله :
- حضرتك مش من هـِنـِه على اِكـْدِهْ ؟

-لأ مش من هنا

- وبتيجي سوهاج كـَتير ؟

- آه

نظرته لا تبدو مصدقة .... تجاهل ذلك
وعاد ليعلق :

-بس مبقتش زي زمان دلوقـيـــت .... سوهاج يا أبله بقت بلد تعبانه...... تعبانه قوي.

نظرت للفرنساوي وثم رددت ساهمة :

_كل حاجه بقت تعبانه .... قصدي كل الناس يا أسطى .

-لــعْ يا أبله..... سوهاج في البهدلة بـِقـِتْ حاجه صعبة قوي .... هـِنـِه البلد مفيهاش حاجه من أساسه واليامـين دول بقت الدنيا واعره علينا قوي

_(.............)
لم أعلق ،
فاستدرك :
- واحنا اللي زيينا بيخسروا حاجات كـَتيره، أكتر من حِداكم بحري (على أساس إنه استنتج إني من بحري سوهاج وخلاص ) إحنا محدش واخدلنا بال ... مَـحناش مهمين من زمان ... ومع اِكـْدِه ... مكنتش تفرق ... بس دلوكييت ... بقينا بِنِخْسَروا كَتيــر
انتي عمرك مع سمعتي عن السوهاجية قبل اكده يا أبله ؟
باغتني بسؤاله فأجبته بما قفز إلى ذهني قائلة :
- سمعت طبعا .... طول عمري أسمع انهم رجاله ... رجالة الصعيد ديما سوهاجية .

تبسم بأسى وقال كأنما أجبته بما أراد:

- أهم معادوش رجالة يا أبله ......

رجف شيء في أعماقي لعبارته المخيفة ، ومن المرآة لاحظ اندهاشي فقال موضحا بأسىً موجع :
-وهو الراجل هيبقا راجل كيف وهو مَـعـَيـْوَكِـلشي عِـيالـُه .... ومَعَيِقـْدَرْشي يِـَوفِّي بيته؟ الفقر لما يحش في الخلايق يِدْهـَس الرجالة ومـَيْعودِش ليها عازة !

وسكت
ولست أجزم ان ما لمحته في المرآة بعد ذلك كان دمعة مكابرة تغالب عينيه
فلعلها كانت في عيني أنا ....
- ربنا يوصلك بالسلامة
هكذا ودعني بابتسامة طيبة
وانا اغادر التاكسي تاركة ذلك الرغيف الفرنساوي المريض
على المقعد الخلفي !!!!







هناك 14 تعليقًا:

مجدى الجبالى يقول...

دانتى كمان ماشفتيش سوهاج من جوه إخميم وعرب الاطاولة و جزيرة محروس واماكن فيها من الفقر ما يجعل الغريب عنها سائح فعلا فى بلد نامى انا عشت وسطهم 6 سنين كلية كنت فاكر الإحترام الزائد و كلمة يا أستاذ إللى كنت بسمعها من الكبير قبل الصغير بسبب إنى طالب جامعى و هم اغلبهم دبلومات بس رقة حالهم و مستوى مصاريفى و لبسي المبالغ فيه بالنسبة ليهم كانت هى السبب

رشا عبد الرازق يقول...

تحياتي مجدي
منور

عارف

لو الحكاية ترسي على الفرق بين فقير وغني أو متعلم وجاهل أو ريفي وحضري كانت عدت
وكنا قلنا دي سنة الله في خلقه

لكن المشكلة ان المجتمعات دي.... _ وزي ما وضحت في كلامك _ مهملة أصلا

فلك ان تتخيل على الناس دي هتكون ايه نتيجة الانحدار السريع اللي حاصل في مصر
واللي حتى الاسر فوق المتوسطه ( عشان مفيش متوسطه حاليا في مصر والحمد لله )
حاسه بيها وبتعاني واللي بقا مش مخلي ... من فقر مدقع وجهل مدقع ومرض عضال .... ومش بس كده ... موت للاراده ...
السوهاجية يمكن من زمان فقراء ريفيين زي ما وصفت بس فعلا كان بيتحكالي عنهم من والدي الصعيدي_ الله يرحمه ) طبعا سواء اللي عرفهم بحكم النشأة في الوجه القبلي او اللي عاشرهم بحكم استيطان الكثير منهم في الاسكندرية حيث درس
كانوا فعلا رجاله
ريفين فقراء بس رجالة
انهاردة الكسرة مخلتش حد
والفقر زمان بقا حلم امبارح اللي قلب بكابوس

والقضية مش سوهاج
القضية احنا هنروح لفين أبعد من كده
لتحت !!!


:) تحياتي

مجدى الجبالى يقول...

مرسى على إهتمامك دورتى على مجدى ده و شوفتى تفكيره ماشى إزاى بس لو كنت قرأت أول موضوع فى المدونة اللى مافيهاش غير موضوعين لتواجدى بالجيش -على فكرة انا حاليا مزوغ و سايب الوحدة و قاعد فى نت كافية جنب محل خدمتى - كنت إكتشفت شىء غريب كنت إكتشفت إسم رشا عبد الرازق و كمان لينك لمدونتك فى المفضلة ده بعد إذنك طبعا

رشا عبد الرازق يقول...

مجدي ؟ انت في الجيش
ربنا يفرج عنك يا رب :)
وعموما أنا لما رحت عندك فعلا لقيت مدونتي في المفضلة بس فيه حاجات حلوه كده مبتبقاش عارف تشكر الناس عليها ازاي ؟ الموضوع الاول هو اللي مكنتش شفته الا بعد تعليقك الأخير ده يمكن لأن موضوع (الوجودية ) شدني وهتلاقيني حاطه فيه تعليق من وقتها
وعلى كل حال ان تشرفت بيك وبالوجود اللي يشرفني في مدونتك الجميلة ...وبعقليتك المتميز واهلا بيك ديما ومليوووووون معنى للامتنان على تقديريك وذوقك
:)

lastknight يقول...

من أروع ماقرأت عن الحاله الأقتصاديه .. أدراك فنانه يصف بدقه فائقه و عمق ..
أنا عشت فى سوهاج سنه قبل كده .. كنت باشتغل فى القمح وقتها .. تعرفى يا رشا .. موضوعك ده مؤذى قوى .. بيوحيلى أكتب موضوع من اياهم من وحى كلامك ..وربنا يسترها بقى .. كان نفسى أبطل كتابه فى السياسه و الأقتصاد .. بس الظاهر يموت الزمار

رشا عبد الرازق يقول...

وان مات الزمار ، يتسلطن الموجوعين إزاي ؟ بعد الشر عن قلمك يا فارس .... وبعدين انت عايز تقنعني يعني إن دي حاجات بالإراده ؟ ده حتى لو قررت وأخدت مع نفسك ضامن وشهود وشرط جزائي ملزم بسكاتك يفضل اللي جوّا غلّاب ....و يا تطلعه وتكتبه يا تتحمل احساس المغلوب !!!

والفارس ميقدرش على كده
أسعدت مسائي فعلا :)

صباح الخير يا مصر يقول...

***********
ما اصعب دموع الرجال....ما اصعب الشعور بالعجز....ما اقسى الحياه هذه الايام و خاصة على البسطاء
لك الله يامصر...لك الله ياشعب مصر

تحياتى

رشا عبد الرازق يقول...

أهلا بحضرتك :)
الله المستعان في القادم
شكرا لك ولك خالص تقديري :)

غير معرف يقول...

هاي يادكتوره
احب اهنيكي في الاول على المدونه الجميله جدا
السواق اللي بتحكي عنه في من عينته مصريين كتير جدا بيعانوا من الفقر وكأنهم مش من حقهم يعيشوا لانهم في بلد بايظه بتحكمها حكومه فاسده
واحنا مش بنتحرك بنتكلم ونتكلم وبس ونغضب ونزعل لكن زي مااحنا
فعلا احنا شعب مستنجع كأننا قطيع من النعاج.

وشكرا
انا سعيده جدا اني ببعتلك ع المدونه يادكتور

سميه قطب

رشا عبد الرازق يقول...

سميةقطب
صديقتي الصغيرة
أسعدني جدا مرورك هنا وردك القيم الجميل والدال على وعي مبكر

بصي يا ستي ببساطة وباختصار في الأول كان الهدف ان الشعب ده يتشغل بلقمة العيش عن أي شيء تاني
انهاردة الأمور تفلتت وأصبحت لقمة العيش صعبة المنال جدا

والجوع غول
واللي انكسر ممكن يستسلم ويكتفي بالبكاء طول ما هو قادر يتحمل جوعه

بس بقا .....
ماذا بعد الجوع ؟
ده المرعب

شكرا يا حبيبتي على اهتمامك وردك :)

غير معرف يقول...

ميرسي يادكتور دا شرف ليا اني اعلق على كتاباتك

احيانا بحس ان سياسة التجويع اللي بتتبعها الحكومه هتولد انفجار وثوره مش العكس

واحيانا برجع تاني لنقطه الكلام وبس مش الفعل حتى كلامنا مش بيسمعوه اساسا عايشين في عالمهم و مش شاغلين بالهم بالناس اللي تحت دي بيقولوا ايه وعايزين ايه
يعني مثلا اضراب6ابريل فرق ايه مع الحكومه؟اتغيرت حاجه؟ فكروا يشوفوا الناس دي اضربت ليه
والشباب بتوع6ابريل عملوا ندوه عشان ايه؟ عشان يتكلموا بردو موصلناش لحاجه.
ارجعي حضرتك معايا بالزمن شويه مثلا احمد عرابي لما جه يتكلم قعد يزعق مع نفسه ويقول خطب؟
راح للخديوي شخصيا
الفكره ان احنا نقعد نشتم الوزراء والحكومه ولما نشوفهم نرفعلهم الاعلام ونكمل مسلسل النفاق اللي مش بيخلص.

سوري يادكتور طولت عليكي وبجد انا بحبك اوي

سميه قطب

غير معرف يقول...

الشاعرة الرائعة / رشا عبد الرازق
مش عارف انتي فين
كان نفسي نتواصل لانك شاعرة عامية من طراز خاص ومبدعة حقيقية
يمكن علشان انا خبرتي بالنت مش كبيرة
عموما اتمني لك كل التوفيق
وألف مبروك علي الكتابين الذين صدرا
مع تحياتي
عبد الناصر علام

بنوتة مصرية يقول...

لاتعليق

mahmoud يقول...

مجهود رائع

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير

مطعم على الطاير